عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
140
اللباب في علوم الكتاب
الإحسان أنّه إذا طلّقها لا يأخذ منها شيئا ، ويدخل في هذا النّهي ألا يضيّق عليها ليلجئها إلى الافتداء ؛ كما قال في سورة النّساء : وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ [ النساء : 19 ] وقوله هنا : « إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ » هو كقوله : إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [ النساء : 19 ] وقال أيضا : وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ [ النساء : 20 - 21 ] . فإن قيل : قوله : « وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا » هذا الخطاب كان للأزواج ، فكيف يطابقه قوله : « فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ » وإن كان للأئمّة والحكّام فهؤلاء لا يأخذون منهنّ شيئا ؟ قلنا : الأمران جائزان : فيجوز أن يكون أوّل الآية خطابا للأزواج ، وآخرها خطابا للأئمّة والحكّام ، وليس ذلك بغريب من القرآن . ويجوز أن يكون الخطاب كلّه للأئمّة والحكّام ؛ لأنهم هم الّذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند التّرافع إليهم فكأنّهم هم الآخذون والمؤتون ، ويدلّ له قراءة حمزة المتقدّمة : « يخافا » بضم الياء ، أي : يعلم ذلك منهما ، يعني : يعلم القاضي والوالي ذلك من الزّوجين ، ويطابقه قوله : « فَإِنْ خِفْتُمْ » فجعل الخوف لغير الزّوجين ، ولم يقل : « فإن خافا » . واعلم أنّه لما منع الرجل أن يأخذ من امرأته شيئا عند الطّلاق ، استثنى هذه الصّورة ، وهي مسألة الخلع « 1 » ، واختلفوا في هذا الاستثناء ؛ هل هو متّصل أو منقطع ؟ وفائدة الخلاف تظهر في مسألة فقهيّة ؛ وهي أن أكثر المجتهدين جوّز الخلع في غير حالة الخوف والغضب . وقال الزّهري والنّخعي وداود : لا يباح الخلع إلّا عند الغضب والخوف من ألّا يقيما حدود اللّه ، فإن وقع الخلع في غير هذه الحالة ، فالخلع فاسد ، واحتجّوا بهذه الآية ؛ فإنها صريحة في تحريم الأخذ من الزّوجة عند طلاقها ، واستثني هذه الصّورة . وأما جمهور المجتهدين فقالوا : الخلع جائز في حالة الخوف وغيره ؛ لقوله تعالى : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [ النساء : 4 ] وإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصّل لنفسها شيئا بإزاء ما بذلت ، كان الخلع الّذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى ، ويكون الاستثناء منقطعا ؛ كقوله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً
--> ( 1 ) والحاجة ماسّة إليه ؛ وإن كان المهر وقع في مقابلة المسيس ، قال تعالى : « وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ » إلا أن الزوجة قد تتضرر بعشرته وربما لا تسمح نفسه بمفارقتها مجانا فشرع الخلع دفعا للضرر من الجانبين .